السيد محمد تقي المدرسي
76
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الشمس ، جامدين على هيئة بطليموس ، وفي الطب لم يتجاوزوا نظريات جالينوس وشروحه على أبقراط ، وأذعنوا لقواعد نظرياتهم من دون تمحيص . وحتى لو وجد علماء انتقدوا بشجاعة القدماء مثلما قدمو يحيى النحوي من ردود على أرسطو ، أو مناقشات محمد بن زكريا الرازي في آراء جالينوس الطبية ، فإنهم عاشوا غرباء بين جمع المقلدين والمعجبين بأفكار السابقين . وهكذا ذهبت انتقادات محمد بن زكريا وابن سينا والغزالي على أرسطو والفلاسفة أدراج رياح التقليد الأعمى . الثالث : أصبحت الفلسفة ومقدمتها ( المنطق ) مطية الأغراض المذهبية والعنصرية ، لذلك فهي لم تتكامل كعلم مستقل ، إذ الهدف لم يكن هدفاً عملياً بحتاً ، بل كان مصالح وأهواء ، فتحددت الوسيلة بقدره ، ومن هنا ؛ نجد شيوع منطق أرسطو بين المسلمين بسبب استفادة علماء الكلام منه في جدلياتهم الفارغة « 1 » . كيف ترجم المسلمون العلوم ؟ خلاصة القول : إن الحضارة الإسلامية التي انبعثت من الوحي الإلهي ، وكان ينبغي أن تنمو في ظل القرآن الحكيم وسنة الرسول ويقظة العقل والروح ، قد ابتليت ومنذ القرن الثالث تقريباً بمجموعة من الطفيليات التي تكاثرت حولها ، لتكون بئس البديل لنموها الطبيعي . والفارق بين الطفيليات والنمو الطبيعي هو أن الطفيليات كالورم الخبيث وقد تبدو أنها النمو نفسه ، إلا إنه الواقع يشير إلى وجود غريب غير منسجم مع الشيء ينمو عليه ويتغذى به ويمنعه من النمو والتكامل ، بينما التكامل الفطري والنمو الطبيعي يعتمد على هضم الشيء للعناصر الغذائية وتحويلها إلى جزء متكامل مع سائر الأجزاء في كلٍ متسقٍ مفيد .
--> ( 1 ) ( ) للمزيد من الاطلاع راجع المصدر ، ص 122 - 125 .